أبي بكر جابر الجزائري

278

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ : أي ألم بهم شيء من وسوسته . وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ : أي إخوان الشياطين من أهل الشرك والمعاصي يمدونهم في الغي . ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ : أي لا يكفون عن الغي الذي هو الضلال والشر والفساد . معنى الآيات : لما علّم تعالى رسوله كيف يحاج المشركين لإبطال باطلهم في عبادة غير اللّه تعالى والإشراك به عزّ وجل علمه في هذه الآية أسمى الآداب وأرفعها ، وأفضل الأخلاق وأكملها فقال له : خُذِ الْعَفْوَ « 1 » وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ « 2 » وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي خذ من أخلاق الناس ما سهل عليهم قوله وتيسر لهم فعله ، ولا تطالبهم بما لا يملكون أو بما لا يعلمون وأمرهم بالمعروف ، وأعرض « 3 » عن الجاهلين منهم فلا تعنفهم ولا تغلظ القول لهم فقد سأل صلّى اللّه عليه وسلّم عن معنى هذه الآية جبريل عليه السّلام فقال له : ( تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك « 4 » ) وقوله وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ « 5 » أي أثار غضبك حتى لا تلتزم بهذا الأدب الذي أمرت به فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ بدفعه عنك إنه سميع لأقوالك عليم بأحوالك . ثم قال تعالى مقررا حكم الاستعاذة مبينا جدواها ونفعها لمن يأخذ بها . إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي ربهم فلم يشركوا به أحدا ولم يفرطوا في الواجبات ولم يغشوا المحرمات هؤلاء إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ « 6 » مِنَ الشَّيْطانِ بأن نزغهم بإثارة الغضب أو الشهوة فيهم تذكروا

--> ( 1 ) قال ابن الزبير هذه الآية : خُذِ الْعَفْوَ . . الخ ما أنزلها اللّه تعالى إلّا في أخلاق الناس ، وقال جعفر الصادق أمر اللّه رسوله بمكارم الأخلاق في هذه الآية ، وليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . ( 2 ) العرف : المعروف وقرئ العرف : العرف بضم العين والراء مثل : الحلم والعرف : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس : قال الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين اللّه والناس ( 3 ) الإعراض عن الجاهلين يكون بعد دعوتهم إلى الحق وإقامة الحجة عليهم فإن لم يستجيبوا يعرض عنهم آذوه أو لم يؤذوه . ( 4 ) من أحاديث مكارم الأخلاق قوله صلّى اللّه عليه وسلّم إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق . ( 5 ) النزغ ، والنغز والهمز والوسوسة بمعنى واحد ، والنزغ : الإفساد والإغواء والإغراء وعلاج الوسوسة ، الاستعاذة باللّه تعالى . ( 6 ) الطيف ، والطائف ، بمعنى ، وقيل : الطيف : الخيال ، والطائف : الشيطان . وهو صحيح أيضا .